السيد محمد باقر الصدر
مقدمة 89
المعالم الجديدة للأصول ( طبع جديد )
غرض كبير يدعو إلى العناية بأصول الفقه ويبعث على الاشتغال بها » « 1 » . هذه هي الحقيقة الأولى . والحقيقة الأخرى هي : أنّ التفكير الأصولي السنّي كان قد بدأ ينضب في القرن الخامس والسادس ، ويستنفد قدرته على التجديد ، ويتّجه إلى التقليد والاجترار ، حتّى أدّى ذلك إلى سدِّ باب الاجتهاد رسمياً . ويكفينا لإثبات هذه الحقيقة شهادةٌ معاصرةٌ لتلك الفترة من عالمٍ سنّيٍّ عاشها ، وهو الغزَّالي المتوفّى سنة ( 505 ه ) ، إذ تحدّث عن شروط المناظر في البحث ، فذكر منها : « أن يكون المناظر مجتهداً يفتي برأيه ، لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما ، حتى إذا ظهر له الحقّ من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له ، فأمّا من لم يبلغ رتبة الاجتهاد - وهو حكم كلّ أهل العصر - فأيّ فائدةٍ له في المناظرة » « 2 » . ونحن إذا جمعنا بين هاتين الحقيقتين ، وعرفنا أنّ التفكير الأصولي السنّي الذي يشكِّل عامل إثارةٍ للتفكير الأصولي الشيعي كان قد أخذ بالانكماش ومُنِيَ بالعُقم استطعنا أن نستنتج أنّ التفكير العلمي لدى فقهائنا الإمامية - رضوان اللَّه عليهم - قد فقد أحد المثيرات المحرِّكة له ، الأمر الذي يمكن أن نعتبره عاملًا مساعداً في توقّف النموّ العلمي . ابن إدريس يصف فترة التوقّف : ولعلّ من أفضل الوثائق التأريخية التي تصف تلك الفترة ما ذكره الفقيه
--> ( 1 ) الغنية ( ضمن الجوامع الفقهية ) : 461 ، السطر 13 ( 2 ) إحياء علوم الدين 1 : 56 الباب الرابع